الموشحات الأندلسية
نشأتها ـ تسميتها ـ أنواعها ونظامها
تمهيد:
لا شك أنّ لحياة الترف واللّهو التي شاعت في الأندلس, وانتشار الغناء ومجالس السمّر أثرا في ظهور الموشح في الأندلس, وانتشاره الواسع, إلى جانب تأثّر الشعر العربي بالشعر الإسباني, في قوالبه, وموسيقاه , وقوافيه, وهو تأثّر لا يسطتيع أحد أن ينكره أو يدفعه, لأن عملية التأثر والتأثير تكون ع7ادة متبادلة بين الآداب المتجاورة المتاخمة لبعضها البعض, وشعرنا العربي قد أثر إلى أبعد الحدود, لا في الشعر الإسباني, أو الأوروبي بشكل عام فحسب, وإنما بحياة الأوروبيين وتفكيرهم أيضا, فلا يدفع مع هذا أن يكون شعرنا العربي قد تأثربالشعر الأوروبي فنتج عن هذا التأثر هذا الفن الجديد المسمّى «الموشّح». وأوّل من اخترع الموشح في الأندلس ووضع اوزانه, واختط طريقته مقدم بن معافى القيري أو محمد بن محمود القبري الضرير وهما شاعران من قرية واحدة هي «قبرة» من قرى قرطبة. وعصر واحد هو عصر الأمير عبدلله بن محمد المرواني, وذلك في أواخر القرن الثالث للهجري. على أن موشحات هذين الشاعرين كانت محاولات ابتدائية, فلم يروها الناس, وبالتالي لم يصلنا منها شيء, ولم يكتمل للموشح قواعده وأسسه الفنيّة, ليغدو فنا جميلا قائما بذاته, إلا ببزوغ نجم الشاعر «عبادة بن ماء السماء» الذي سلك إلى الشعر مسلكا سهلا, إلى صنع التوشيح, فقوم ميلها, وأقام منآدها, وصقلها صقل العارف الخبير, الفنان المرهف الذوق, فكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه, ولا أخذت إلا عنه...ومع يداية القرن الرابع الهجري يلأخذ الموشح بالإزدهار والتحليق فنا جميلا في سماء الأندلس, فكان له شعراؤه الأفذاذ الموهوبون, كالأعمى التطيلي, وابن زهر, وابن سهل, ولسان الدين بن الخطيب, وابن خاتمة الأنصاري وغيرهم كثير, واستوت له أغراضه وموضوعاته التي تسد حاجة الغناء ومجالس اللهو والسمر, كالغزل والحب, ووصف الطبيعة, والمديح, وما إلى ذلك. وأخذت تسمية الموشح أو الموشحة من الوشاح, وهو ثوب المرأة بين عاتقها وكشحها. فالمعنى المشترك بين الموشح والوشاح إذا هو التجميل والتزيين والترصيع. والموشح كما لا يخفى علينا مزين بالقوافي المنوعة, ومجمل بالأوزان المتعددة, ومرصع بالأجزاء والأشطر المتقابلة المتماثلة, فهو من هذه الناحية كالوشاح في زينته وجماله.
ولم يبين لنا الوشاحون الأندلسيون على كثرتهم, ولا من ترجم اهم أيضا, أصول هذا الفن وقواعده, سوى بعض الإشارات الخفيفة إلى بعض أصوله, ورت في كتاب الذخيرة, أو نفح الطيب , وغيرهما, حتى جاء الشاعر المصري ابن سناء الملك (550ـ608هـ)فوضع في كتابه «دار الطراز» قواعد الموشح وبين خصائصه وطرق نظمه وأوزانه, فكان بهذا أول شاعر ينظم قواعد الموشح, ويضع أصوله في الشرق والغرب .
ويتألف الموشح عادة من ستة أقفال, وخمسة «أبيات» وهو الموشح «التام». أو من خمسة أقفال وخمسة أبيات وهو الموشح « الأقرع».
والقفل الذي تبتدئ به الموشحة يسمى «المطلع» والقفل الذي تنتهي يه القصيدة يسمى «الخرجة».ويفضل الوشاحون أن تكون الخرجة عامية, لبعث الهزل والظرف في الموشحة, إلا في المديح فتكون معربة.
وقد يكون القفل بيتا واحدا, وقد يكون بيتين اثنين, ويسمى «اللازمة ». وسواء منه ما كان بيتا أو بيتين فإنه يتألف من أجزاء, أقلها جزءان, وأكثرهما ثمانية أو عشرة أجزاء. وتتفق الأقفال في الموشح بالوزن والقافية وعدد الأجزاء.
أما الأبيات فعددها في الموشح كما قلنا خمسة, سواء في الموشح التام, أو الأقرع, والبيت في كل منها يتألف من عدد من الأشطر, أقلها ثلاثة وأكثرها خمسة, وقد يكون الشطر بسيطا, وقد يكون مركبا من فقرتين أو أكثر. ويصل إلى أربع فقرات أو خمس. والأبيات في الموشح تتفق في أوزانها وعدد أشطرها وفقراتها, ولكنها تختلف في قوافيها, ويدعى كل بيت مع القفل الذي يليه سمطا.
قال بن زهير الإشبيلي:
أيها الساقي إليك المشتكى قد دعوناك وإن ام تسمع
البت ويتكون من ثلاثة أشطر وهو بسيط
ونديم همت في غرته
وبشرب الراح من راحته
كلما استيقظ من سكرته
القفل وهو بيت واحد من جزأين
جزب الزق إليه واتكـــــا وسقاني أربعا من أربع
المطلع مؤلف من بيت واحد من بأربعة أجزاء ويتضح ذلك في قول ابن اللبانة:
في نرجس الأحداق وسوسن الأجياد نبت الهوى مغروس بين القنا المياد
البيت مؤلف من أربعة أشطر وكل شطر مؤلف من فقرتين
وفي نقا الكافـــور والمندل الرطــــب
والهودج المــزرور بالوشي والعـــصب
قضب من البـــلور حمين بالقضـــــب
نادى بها المهجــور من شدة الحـــــب
القفل كالمطلع بيت واحد من أربعة أجزاء
أذابت الأشواق روحي على الأجساد أعاره الطاووس من ريثة أبراد