اليوم الرابع
يوم العقبة
وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ
" ( الأنفال 62 )
* * *
إن يوم العقبة كان هو البداية الصادقة لعصر الغلبة والنصر والتمكين من الله سبحانه وتعالى لرسوله وللمؤمنين ، ،
واصل صلى الله عليه وسلم مسيرته الدعوية ، وأخذ يدعو قبائل العرب إلى الإسلام ، منتهزاً فرصة موسم الحج نظراً لتجمع القبائل في مكة
* * *
، وفي العام العاشر من بعثته صلى الله عله وسلم ، وفي موسم الحج التقى النبي بنفر من الخزرج إحدى أكبر قبائل المدينة المنورة ( يثرب في ذلك الوقت )
وبلغهم الرسالة في يسر وإيجاز ، ، وترك لهم الفرصة ليفكروا ، ، ،
وكان من سعادة أهل يثرب أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة أن نبياً من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج
وفيما هم يتشاورون قال أحدهم :
" يا قوم . . .
" والله إنه للنبي الذي توعدتنا به يهود
" فلا يسبقنكم إليه أحد . . "
فعادوا إلي النبي ، يخبرونه بقبول دعوته ، وليعلنوا إسلامهم وكانوا ستة وهم :
1- أسعد بن زرارة (من بني النجار )
2- عون بن الحارث بن رفاعة، ابن عفراء (من بني النجار )
3- رافع بن مالك بن العجلان (من بني زريق )
4- قطبة بن عامر بن حديدة (من بني سلمة )
5- عقبة بن عامر بن نابي (من بني حرام بن كعب )
6- جابر بن عبد اللَّه بن رئاب (من بني عبيد بن غنم )
،
* * *
قال ابن إسحاق: (( فلما قدموا المدينة ذكروا رسول الله، ودعوا إلى الإسلام حتى فشا فيهم، حتى كان العام المقبل وافى الموسم اثنا عشر رجلاً، فبايعوا بالعقبة على بيعة النساء )).
وكانت بيعة العقبة الأولى
العقبة الأولى
:
قال ابن إسحاق:
(( قال عبادة بن الصامت: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء -وذلك قبل أن يفترض علينا الحرب- على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرج لنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء غفر وإن شاء عذب ))
روى مسلم :
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: (( أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَنْ لا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا نَسْرِقَ، وَلا نَزْنِيَ، وَلا نَقْتُلَ أَوْلادَنَا، وَلا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ )) متفق عليه
* * *
فماذا حصل بعد ذلك . . ؟ ؟ وما هي بيعة العقبة الثانية . . ؟ ؟ ؟
* * *
يوم العقبة الثانية
في الحج من العام التالي ، دخل مصعب بن عمير إلى مكة ( وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أختاره ليصحب وفد الأنصار إلى المدينة )
ومعه ثلاثة وسبعون رجلاً ، وامرأتان كلهم يشهد ان لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .
وهاتان المرأتان العظيمتان هما :
• أم عمارة : نسيبة بنت كعب
• أم منيع : أسماء بنت عمرو
* * *
وهنا لنا وقفة مع دور المرأة المسلمة الفعال ، في بداية عصر الأسلام ،
فها هنا نجدها سباقة للمشاركة في أمر مهم من أمور دينها ودنياها ، ألا وهو ملاقاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومبايعته على السمع والطاعة ،
وهذا ما يجب أن تكون عليه المرأة المسلمة من علو الهمة ، والمشاركة الإيجابية في أمر دينها ودنياها على هدي من الكتاب والسنة
* * *
وإليكم أيها الكرام قصة العقبة كاملة كما يرويها كعب بن مالك في سيرة ابن هشام
قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق قال:
فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له:
يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة قال:
فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيباً. قال:
فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، أم عمارة، إحدى نساء بني مازن من النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي، إحدى نساء بني سلمة، وهي أم منيع.
* * *
قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال:
يا معشر الخزرج - قال: وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها - إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، إنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
* * *
قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال:
نعم، والذي بعثك بالحق نبياً، لنمنعنك مما نمنع منه أُزُرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر. قال:
فاعترض القول - والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التيّهان فقال:
يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال:
أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً، ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.
قال ابن هشام: ويقال: الهدم الهدم: يعني الحرمة، أي ذمتي ذمتكم، وحرمتي حرمتكم.
قال كعب: كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم بايع بعد القوم.
* * *
فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب - والجباجب: المنازل - هل لكم في مذمم والصباة معه، قد اجتمعوا على حربكم.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أزبّ العقبة، هذا ابن أَزْيَب - قال ابن هشام: ويقال ابن أُزَيب - أتسمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك.
قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفضوا إلى رحالكم.
قال: فقال له العباس بن عبادة بن نَضْلة: والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا؟
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم قال: فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا.
قال: فلما أصبحنا غدت علينا جِلّة قريش، حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.
قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه.
قال: وقد صدقوا، لم يعلموه، قال: وبعضنا ينظر إلى بعض، قال: ثم قام القوم، وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وعليه نعلان له جديدان، قال: فقلت له كلمة - كأني أريد أن أَشْرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر، أما تستطيع أن تتخذ، وأنت سيد من ساداتنا، مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟
قال: فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي، وقال: والله لتنتعلنهما.
قال: يقول أبو جابر: مه، أحفظت والله الفتى، فاردد إليه نعليه، قال: قلت: والله لا أردهما، فأل والله صالح، لئن صدق الفأل لأسلبنه ))
* * *
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: (( أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري، أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نُهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلاً أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكة الأموال، وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فمالنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة، قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه ))
* * *
عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: (( دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ )
* * *
هذا والله أعلم
* * *
(( نهاية اليوم الرابع ))